مع دخول الحرب الإسرائيلية على لبنان أسبوعها الثاني، يتصاعد المشهد العسكري والسياسي بوتيرة متسارعة، في ظل استمرار الغارات والقصف المتبادل واتساع رقعة التوتر على أكثر من جبهة. وبينما تتكثف العمليات العسكرية وترتفع حدة الخطاب السياسي، يعيش اللبنانيون حالة من القلق والترقب، مع تزايد المخاوف من اتساع المواجهة وتفاقم تداعياتها الإنسانية والاقتصادية.
في آخر التطورات الميدانية، وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذارات لسكان مدينتي صور وصيدا، محدداً مباني قال إنها ستُستهدف باللون الأحمر ضمن خريطتين نشرهما عبر منصاته. وقبل ذلك بوقت قصير، حذّر الجيش الإسرائيلي سكان جنوب لبنان الموجودين جنوب نهر الليطاني، مطالباً إياهم بالتوجه فوراً إلى شمال النهر، محذّراً من أن أي تحرك جنوباً قد يعرّض حياتهم للخطر.
وفي السياق نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف 30 فرعاً لـجمعية القرض الحسن خلال الأسبوع الماضي. وقال أدرعي إن هذه الأموال تُستخدم لشراء وسائل قتالية ووسائل إنتاج ودفع رواتب لعناصر حزب الله، مشيراً إلى أن الغارات تهدف إلى تعميق الضربة العسكرية الموجهة للتنظيم واستكمالاً لغارات سابقة على مرافق الجمعية.
بالتوازي، تواصل القصف الإسرائيلي في مناطق مختلفة من لبنان، من الجنوب إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، فيما يواصل حزب الله تنفيذ عملياته مستهدفاً مواقع في شمال إسرائيل، بالتزامن مع اشتباكات مباشرة على الأطراف الجنوبية.
وفي ظل التصعيد، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد النازحين في لبنان بلغ نحو 667 ألف شخص، بزيادة تقارب 100 ألف نازح خلال 24 ساعة فقط. وقالت ممثلة المفوضية في لبنان كارلاولينا ليندهولم بيلينغ خلال مؤتمر صحافي إن هذا الرقم يستند إلى بيانات المسجلين على المنصة الإلكترونية التابعة للحكومة اللبنانية، ما يعكس تسارع حركة النزوح من المناطق المستهدفة.
على الصعيد السياسي، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر مطلعة أن المسؤولين في إسرائيل يستعدون لحملة مطولة ضد حزب الله، قد تستمر حتى بعد انتهاء المواجهة مع إيران. وبحسب المصادر، فإن الهجوم على الحزب سيستمر على الأقل طوال مدة الحرب مع طهران، وربما يتواصل حتى بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع إيران، بهدف إضعاف قدراته إلى مستوى لا يبقى معه تهديد دائم لسكان شمال إسرائيل.
داخلياً، زار رئيس الجمهورية جوزف عون مقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش في اليرزة، حيث التقى وزير الدفاع ميشال منسّى وقائد الجيش رودولف هيكل وعدداً من الضباط. وأكد عون أن الجيش اللبناني مؤسسة وطنية تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين، مشدداً على أن الحملات التي طالت المؤسسة العسكرية وقيادتها لن تؤثر في أدائها. وأضاف أن اهتزاز الجيش يعني تعريض الوطن كله للخطر، مؤكداً أنه سيقف سداً منيعاً في وجه أي استهداف للمؤسسة العسكرية.
وكان عون قد طرح مبادرة تهدف إلى وقف الحرب وبدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، تقوم على إرساء هدنة كاملة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان، إلى جانب تقديم دعم لوجستي سريع للقوى المسلحة اللبنانية، وانتشار الجيش في مناطق التوتر ومصادرة السلاح فيها بما يشمل نزع سلاح حزب الله ومستودعاته، على أن يتزامن ذلك مع بدء مفاوضات مباشرة بين الطرفين لتنفيذ تفاصيل هذه الخطوات.
لكن هذه المبادرة واجهت رفضاً إسرائيلياً. فقد أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن الحكومة اللبنانية حاولت الأسبوع الماضي فتح قناة تفاوض مباشرة مع إسرائيل عبر المبعوث الأميركي توم برّاك وإدارة دونالد ترامب لإنهاء الحرب. وبحسب القناة، وصف برّاك المبادرة بأنها غير جدية، مؤكداً أنه لا مفاوضات من دون نزع حقيقي لسلاح حزب الله، فيما اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أن الوقت قد فات وأن التركيز الحالي ينصب على تفكيك قدرات الحزب.
كما قال السفير الإسرائيلي لدى فرنسا جوشوا زاركا إنه لا علم لديه بأي قرار إسرائيلي بالتفاوض مع الحكومة اللبنانية، معتبراً أن الحكومة في بيروت لا تزال عاجزة عن تنفيذ وعودها بنزع سلاح حزب الله وتخشى اندلاع حرب أهلية.
وبالتوازي مع التطورات العسكرية والسياسية، تتواصل حركة النزوح من المناطق الحدودية والمستهدفة، فيما تحاول البلديات والجهات الإغاثية توفير الحد الأدنى من الدعم للنازحين رغم محدودية الإمكانات.
كما شهدت أسعار المحروقات ارتفاعاً كبيراً على وقع استمرار الحرب الإيرانية–الأميركية، إذ بلغ سعر البنزين 95 أوكتان 2,004,000 ليرة بزيادة 90 ألف ليرة، والبنزين 98 أوكتان 2,047,000 ليرة بزيادة مماثلة، فيما ارتفع سعر المازوت إلى 1,869,000 ليرة بزيادة 218 ألف ليرة، والغاز إلى 1,601,000 ليرة بزيادة 184 ألف ليرة.
في المقابل، أكد وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط بعد لقائه الرئيس عون أن المخزون من السلع الأساسية متوافر وبمستويات مرتفعة، خصوصاً الطحين والمواد الغذائية والمحروقات، مشيراً إلى أن الاستيراد مستمر ولم يتوقف، وأن ما يُستهلك من المخزون يجري تعويضه بشكل متواصل. وأضاف أن فرق المراقبة تكثف جولاتها بالتعاون مع القوى الأمنية والقضاء لضبط الأسعار ومنع الاستغلال، وقد اتُخذت إجراءات بحق مخالفين وأُقفلت محطات وقود ومتاجر تلاعبت بالأسعار.
وبين التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية والمعيشية، يترقب اللبنانيون ما ستؤول إليه الأيام المقبلة، في ظل غموض يلف مسار المواجهة واحتمالات احتوائها أو توسعها إلى صراع أوسع في المنطقة.